إذا أنعمت النظر بعقلك، وفكرت برويتك، وتأملت أوامر الناموس ونواهيه وأحكامه وحدوده وترغيبه وترهيبه ووعده ووعيده وزجره وتهديده، عرفت وتبينت أن أكثر أوامره هي بخلاف ما في طباع الناس، ونواهيه عما هو في الجبلة المؤلفة من تركيب الشهوات، من طلب الراحة والنعيم والتلذذ، في الحياة ، وذلك أنه أمر بالصيام وترك الأكل والشرب عند شدة الجوع والعطش، وبالطهارة عند البرد، وبالقيام إلى الصلاة وترك النوم على الفراش الوثير، وبالمواساة عند القلة وشدة الحاجة، وبالتعفف عند هيجان الشهوة ، وبالحلم عند ثورة الغضب ، وبالشجاعة عند الخوف، وبالعفو عند المقدرة، وبالعدل عند الحكم؛ وبالصبر عند الشدائد ، وبحسن العزاء عند المصائب، وبالاجتهاد والتشمير عند الكسل، وبصدق القول عند شدة الخوف منه، وبالسخاء عند شدة الفقر، وبالزهد في الدنيا عند التمكن منها، وما شاكل هذه الأفعال والأعمال والأخلاق. ويروى في الخبر إنه سئل رسول الله- صلى الله عليه وآله- عن معنى قول الله عز وجل:" خذ العفو، وأمر بالمعروف، وأعرض عن الجاهلين" فقال: جمع في هذه الآية مكارم الأخلاق، وهي سبعة: عفوك عمن ظلمك، وإعطاؤك من حرمك، وصلتك لمن قطعك، وإحسانك إلى من أساء إليك، ونصيحتك لمن غشك، واستغفارك لمن اغتابك، وحلمك عمن أغضبك.
أوامر الله
أوامر الله تعالى لعباده مماثلة لأوامر الملوك، وذلك أن من سنة الملوك والخلفاء وكثير من الرؤساء، ومن آدابهم إنهم إذا تفرس أحدهم في أحد أولاده أوعبيده النجابة والفلاح، عني به أفضل عناية، في تعليمه وتأديبه ورياضته، وحماه من اللعب واللهو والانهماك في الشهوات، ونهاه عن ترك الآداب، وسوء الأخلاق وما لا يليق بأخلاق الرؤساء والعقلاء والأخيار: كل ذلك ليتخرج ويكون مهذباً متهيئاً لقبول ما يراد منه أن يكون خليفة لمولاه ومكان أبيه في الرياسة والملك، وهكذا كان تأديب الله تعالى لأنبيائه ورسله وأوليائه من المؤمنين فيما أمرهم به من أتباع رضوانه، ونهاهم عنه من أتباع هوى أنفسهم كما قال تعالى:" وأما من خاف مقام ربه ونهى النفس عن الهوى، فإن الجنة هي المأوى" وهكذا أيضاً إن كثيراً من أولاد الملوك وعبيدهم إذا أحس من أبيه أو مولاه ما ذكرنا، أخذ نفسه بامتثال أمره ونهيه وترك شهواته وأتباع هواه: فهكذا حكم أولياء الله من المؤمنين الذين يرجون لقاء الله.
الجمعة جامعة
وملائكتها سامعة
وعملها مرفوع
ودعاؤها مسموع
فأسأل الله أن
يتقبل عملك
ويغفر ذنبك
ويشملك برحمته
وينعم عليك بفضله
وكرمه وجوده
اللهم يبشرك بما يسرك
ويكف عنك ما يضرك
ويثبت بقلبك ويرزقك حلالا يكفيك
ويبعد عنك كل شي يؤذيك
ويسترك فوق الارض
ويرحمك تحت الارض
ويغفر لك ولوالديك يوم العرض
خطوبة مباركة بإذن الله
اللهم آمين
لكل دولة لها وقت منه تبتدي، وغاية إليها ترتقي، وحد إليه تنتهي؛ فإذا بلغت إلى أقصى غاياتها ومدى نهاياتها تسارع إليها الانحطاط والنقصان، وبدا في أهلها الشؤم والخذلان، واستأنف في الآخرين من القوة والنشاط والظهور والانبساط، وجعل كل يوم يقوى هذا ويزيد، ويضعف ذاك وينقص، إلى أن يضمحل الأول المقدم ويستمكن الآتي المتأخر. والمثال في ذلك مجاري أحكام الزمان، وذلك أن الزمان كله نصفان، نصفه نهار مضيء، ونصفه ليل مظلم، وأيضاً نصفه صيف حار، ونصفه شتاء بارد، وهما يتداولان في مجيئهما وذهابهما، كلما ذهب هذا، رجع هذا، وتارة يزيد هذا، وينقص هذا، وكلما نقص من أحدهما، زاد في الآخر بذلك المقدار، حتى إذا تناهيا إلى غايتهما في الزيادة والنقصان، ابتدأ النقص في الذي تناهى في الزيادة، وابتدأت الزيادة في الذي يتناهى في النقصان، فلا يزالان هكذا إلى أن يتساويا في مقداريهما، ثم يتجاوزان على حالتيهما إلى أن يتناهيا في غايتيهما من الزيادة والنقصان، وكلما تناهى أحدهما في الزيادة ظهرت قوته وكثرت أفعاله في العالم، وخفيت قوة ضده وقلت أفعاله. فهكذا حكم الزمان في دولة أهل الخير ودولة أهل الشر: تارة تكون الدولة والقوة وظهور الأفعال في العالم لأهل الخير؛ وتارة تكون الدولة والقوة وظهور الأفعال في العالم لأهل الشر، كما ذكر الله- عز وجل- وقال:" وتلك الأيام نداولها بين الناس"، " وما يعقلها إلا العالمون".
وقد نرى إنه قد تناهت دولة أهل الشر وظهرت قوتهم وكثرت أفعالهم في العالم في هذا الزمان، وليس بعد التناهي في الزيادة إلا الانحطاط والنقصان. وأعلم بأن الدولة والمُلك ينتقلان في كل دهر وزمان ودور,من أمة إلى أمة، ومن أهل بيت إلى أهل بيت، ومن بلد إلى بلد.
أجناس الملائكة هي نفوس خيرة موكلة بحفظ العالم وصلاح الخليقة، وقد كانت متجسدة قبل وقتاً من الزمان فتهذبت واستبصرت وفارقت أجسادها واستقلت بذاتها، وفازت ونجت وساحت في فضاء الأفلاك، وسعة السموات، فهي مغتبطة فرحانة مسرورة ملتذة ما دامت السموات والأرض. وأما عفاريت الجن ومردة الشياطين فهي نفوس شريرة مفسدة، وقد كانت متجسدة قبل وقتاً من الزمان، ففارقت أجسادها غير مستبصرة ولا مهذبة، فبقيت عمياً عن رؤية الحقائق، صماً عن استماع الصواب، بكماً عن النطق الفكري في المعاني اللطيفة، فهي سابحة في ظلمات بحر الهيولى، غائصة في قعر من الأجسام المظلمة، فذلك دأبهم ما دامت السموات والأرض لابثين فيها أحقاباً لا يجدون نسيم عالم الأرواح، ولا يذوقون لذة شراب المعارف فهذه حالهم إلى يوم يبعثون.
من الألحان والنغمات
ما ينقل النفوس من حال إلى حال ويغير أخلاقها من ضد إلى ضد، ومن ذلك ما يحكى أن جماعة كانت- من أهل هذه الصناعة- مجتمعة في دعوة رجل رئيس كبير، فرتب مراتبهم في مجلسه، بحسب حذقهم في صناعتهم، إذ دخل عليهم إنسان رث الحال، عليه ثياب رثة، فرفعه صاحب المجلس عليهم كلهم، وتبين إنكار ذلك في وجوههم، فأراد أن يبين فضله، ويسكن عنهم غضبهم، فسأله أن يسمعهم شيئاً من صناعته، فأخرج الرجل خشابات كانت معه فركبها، ومد عليها أوتاره وحركها تحريكاً، فأضحك كل من كان في المجلس من اللذة والفرح والسرور الذي حل داخل نفوسهم، ثم قلبها وحركها تحريكاً آخر أبكاهم كلهم من رقة النغمة وحزن القلوب، ثم قلبها وحركها تحريكاً نوٍّمهم كلهم، وقام وخرج، فلم يعرف له خبر.
كل صوت له نغمة وصفة وهيئة روحانية، خلاف صوت آخر، وإن الهواء من شرف جوهره ولطافة عنصره يحمل كل صوت بهيأته وصفته، ويحفظها لئلا يختلط بعضها ببعض، فيفسد هيأتها، إلى أن يبلغها إلى أقصى مدى غاياتها عند القوة السامعة، لتؤديها إلى القوة المتخيلة التي مسكنها الدماغ، وذلك تقدير العزيز الحكيم الذي جعل لكم السمع والأبصار والأفئدة، قليلاً ما تشكرون. إن كل جسمين تصادما برفق ولين لا تسمع لهما صوتاً، لأن الهواء ينسل من بينهما قليلاً قليلاً، فلا يحدث صوتاً، وإنما يحدث الصوت من تصادم الأجسام، متى كان صدمها بشدة وسرعة، لأن الهواء عند ذلك يندفع فجأة، ويتموج بحركته إلى الجهات الست بسرعة، فيحدث الصوت، والأجسام العظيمة، إذا تصادمت كان صوتها أعظم، لأنها تموج هواء أكثر. وكل جسمين من جوهر واحد، مقدارهما واحد، وشكلهما واحد، نقرا نقرة واحدة معاً، فإن صوتيهما يكونان متساويين، فإن كان أحدهما أجوف، كان صوته أعظم، لأنه يصدم هواء كثيراً داخلاً وخارجاً. والأجسام الملس أصواتها ملساء، لأن السطوح المشتركة التي بينها وبين الهواء ملساء.
والأجسام الخشنة تكون أصواتها خشنة، لأن السطوح المشتركة بينها وبين الهواء خشنة. والأجسام الصلبة المجوفة كالأواني ؛ والجِرَار، إذا نقرت طنت زماناً طويلاً، لأن الهواء في جوفها يتردد ويصدمها مرة بعد مرة، وتارة بعد أخرى، إلى أن يسكن، فما كان منها أوسع، كان صوتها أعظم، لأنه يصدم هواء كثيراً داخلاً وخارجاً. والبوقات( جمع بوق) الطوال كان صوتها أعظم، لأن الهواء المتموج فيها يصدمها في مروره مسافة بعيدة
أن الإنسان في أي موضع وقف على سطح الأرض من شرقها أوغربها أوجنوبها أوشمالها، أومن هذا الجانب أومن ذلك الجانب، وقوفه حيث كان، فقدمه أبداً يكون فوق الأرض،ورأسه إلى فوق، مما يلي السماء، ورجلاه أسفل، مما يلي مركز الأرض، وهويرى من السماء نصفها، والنصف الآخر يستره عنه حدبه الأرض، فإذا انتقل الإنسان من ذلك الموضع إلى الموضع الآخر، ظهر له من السماء مقدار ما خفي عنه من الجهة الأخرى، وذلك المقدار كل تسعة عشر فرسخاً درجة، وكل فرسخ ثلاثة أميال، كل ميل أربعة آلاف ذراع، كل ذراع ست قبضات، كل قبضة أربع أصابع، كل إصبع ست شعيرات.
وأما سبب وقوف الأرض في وسط الهواء ففيه أربعة أقاويل، منها ما قيل إن سبب وقوفها هوجذب القلب لها من جميع جهاتها بالسوية، فوجب لها الوقوف في الوسط لما تساوت قوة الجذب من جميع الجهات، ومنها ما قيل إنه الدفع بمثل ذلك، فوجب لها الوقوف في الوسط لما تساوت قوة الدفع من جميع الجهات، ومنها ما قيل أن سبب وقوفها في الوسط هوجذب المركز لجميع أجزائها من جميع الجهات إلى الوسط، لأنه لما كان مركز الأرض مركز الفلك أيضاً، وهومغناطيس الأثقال يعني مركز الأرض وأجزاء الأرض لما كانت كلها ثقيلة انجذبت إلى المركز وسبق جزء واحد وحصل في المركز، ووقفت باقي الأجزاء حولها يعني حول نقطة المركز، فيطلب كل جزء منها المركز، فصارت الأرض بجميع أجزائها كرة واحدة بذلك السبب. ولما كانت أجزاء الماء أخف من أجزاء الأرض، وقف الماء فوق الأرض. ولما كانت أجزاء الهواء أخف من أجزاء الماء، صار الهواء فوق الماء, والنار لما كانت أجزاؤها أخف من أجزاء الهواء صارت في العلومما يلي فلك القمر. والوجه الرابع ما قيل في سبب وقوف الأرض في وسط الهواء هوخصوصية الموضع اللائق بها، وذلك أن الباري- عز وجل- جعل لكل جسم من الأجسام الكليات يعني النار والهواء والماء والأرض موضعاً مخصوصاً هوأليق المواضع به، وهكذا القمر وعطارد والزهرة والشمس والمريخ والمشتري وزحل، جعل لكل واحد منها موضعاً مخصوصاً في فلكه هوثابت فيه والفلك يديره معه. وهذا القول أشبه الأقاويل بالحق، لأن هذه العلة مستمرة في ترتيب الأفلاك السبعة والكواكب الثابتة والسيارة، والأركان الأربعة أعني النار والهواء والماء والأرض، وذلك أن الله- تبارك وتعالى- جعل لكل موجود من الموجودات موضعاً يختص به دون سائر المواضع .
القمر يدور في البروج في كل سنة عربية اثنتي عشرة مرة، في كل شهر مرة، ويقيم في كل برج يومين وثلثاً، وفي كل منزل يوماً وليلة، وفي كل درجة ساعتين بالتقريب، ويقابل الشمس في كل شهر مرة، ويربعها مرتين، مرة يمنة ومرة يسرة، ويقارنها في كل شهر مرة، فلا يرى يومين، ثم يظهر في المغرب بعد مغيب الشمس، ويهل ثم يزيد في نوره كل ليلة نصف سبع، إلى أن يستكمل ويمتلئ من النور ليلة البدر الرابع عشر من كل شهر، ثم يأخذ في النقصان فينقص كل ليلة نصف السبع، إلى أن يمحق في آخر الشهر. وللقمر في البروج ثمان وعشرون منزلة، كما قال الله تعالى: " والقمر قدرناه منازلاً حتى عاد كالعرجون القديم". وفي كل ثلاثة أبراج منها سبع منازل، وفي كل برج منزلتان وثلث. وهذه أسماؤها: السرطان، البطين، الثريا، الدبران، الهقعة، الهنعة، الذراع.