يُحكى أنه كان هناك مجموعة من القنافذ تعانى البرد
الشديد ، فاقتربت من بعضها وتلاصقت طمعا فى شىء من
الدفء ، لكن أشواكها المدببة آذتها ، فابتعدت عن بعضها
فأوجعها البرد القارص ، فاحتارت ما بين ألم الشوك والتلاصق
وعذاب البرد ، ووجدوا فى النهاية أن الحل الأمثل هو
....التقارب المدروس !...
بحيث يتحقق الدفء والأمان مع أقل قدر من الألم ووخز الأشواك
فاقتربت لكنها لم تقترب الاقتراب المؤلم .. وابتعدت لكنها لم تبتعد
الابتعاد الذى يحطم أمنها وراحتها...
وهكذا يجب أن يفعل السائر فى دنيا الناس
فالناس كالقنافذ يحيط بهم نوع من الشوك الغير منظور ،يصيب كل من
ينخرط معهم بغير حساب ، ويتفاعل معهم بغيرانضباط
لذا وجب علينا تعلم تلك الحكمة من القنافذ الحكيمة ، فنقترب من
الآخرين اقتراب من يطلب الدفء ويعطيه ، ونكون فى نفس الوقت
منبهين إلى عدم الاقتراب الشديد حتى لا ينغرس شوكهم فينا
نعم الواحد منا بحاجة إلى أصدقاء حميمين يبثهم أفراحه وأتراحه ،
يسعد بقربهم ويُفرغ فى آذانهم همومه حينا .. وطموحاته وأحلامه حينا آخر .
لا بأس فى هذا .. فى أن يكون لك صفوة من الأصدقاء المقربين ،
لكن بشكل عام ، يجب لكي نعيش فى سعادة أن نحذر الاقتراب الشديد
والانخراط الغير مدروس مع الآخرين ، فهذا قد يعود علينا بآلام وهموم
نحن فى غنى عنها .
يُحكى أن مجموعة من الأنانيين اختلف أفرادها ذات مرة مع أفراد
مجموعة أخرى من الإيثاريين، فراح الأنانيون يصرّون على أنهم أكثر
غيرية واهتماماً ببعضهم من أفراد المجموعة الأخرى.
اقترح أحد أفراد المجموعة الثانية الإحتكام إلى حكيم المدينة الذي كان
موضع تقدير واحترام من الجميع، فراقت الفكرة لإفراد المجموعتين وذهبوا يستفتونه في الأمر.
رحّب الحكيم بهم، وبعد أن استمع إلى دعواهم، أمر بإعداد وليمتين، واحدة لكل مجموعة،
على أن يتناولوا الطعام في ركنين منعزلين، بحيث لا يرى أفراد المجموعتين بعضهم أثناء تناول الطعام.
قبل إحضار الطعام، أحضر الحكيم حزمة من العصي وطلب من أفراد كل مجموعة أن يمدّوا أذرعهم إلى الأمام.
امتثلوا لأمره فراح يضع عصاً بمحاذاة كل ذراع ممدودة ويربطها ربطاً محكماً بخيط متين بحيث
لا يستطيع صاحب تلك الذارع أن يلويها نحو وجهه.
عند الإنتهاء من ربط جميع الأذرع أمر بإحضار الغداء وطلب من الجميع القيام إلى
الطعام ليأخذ كل منهم نصيبه منه، وراح يتنقل جيئة وإياباً بين المجموعتين ليرى ما سيفعل أفراد كل منهما.
ما أن تحلـّق الأنانيون حول المائدة حتى راح كل منهم يمد يديه فيأخذ بعض ما يشتهيه،
ولأنه لم يستطع إيصاله مباشرة إلى فمه، كان يرفع كلتا يديه إلى فوق ويرمي الطعام فاتحاً
فمه ليلتقط ما عسى أن يسقط فيه.. ثم يكرر المحاولة فيصيب بعض الطعام ويسقط البعض الآخر خارج فمه المفغور.
بدا ما يفعلونه طبيعياً بالنسبة لهم، لكن ليس للمضيف.
ثم تركهم وذهب إلى مجموعة الإيثاريين فوجد كل واحد من أفرادها يمسك الطعام بيديه
ويقرّبه من فم زميله الجالس قبالته، وبذلك تمكنوا من إطعام بعضهم بعضاً دون فقدان أي مقدار
من الطعام، ودون أن تتلطخ وجوههم والثياب.
شبع الإيثاريون وشكروا مضيفهم على الوليمة، في الوقت الذي كان فيه الأنانيون
لا يزالون يهوون بالطعام على وجوههم ومعداتهم تصرخ "هل من مزيد؟"
أصدر الحكيم قراره وطلب من الأنانيين أن يقتدوا بأفراد المجموعة الثانية لأن الأنانية
خصلة دميمة وذميمة بينما الإيثار مزاياه كريمة وفوائده جمة وعميمة.
ومما قيل في الإيثار والأنانية
لا يُدعى الإنسان أنانياً لأنه يهتم بنفسه فقط، بل لأنه لا يهتم بغيره.
من يحيا ليخدم نفسه لا غير، يخدم العالم بموته.
أرني شخصاً يمكنه الذهاب إلى الجنة بمفرده وسأريكَ شخصاً لن تفتح له أبوابها.
الإيثار عنوان السمو وجوهر مكارم الأخلاق.
الأكثر اهتماماً في الآخرين وخدمة لهم، هو الأسعد والأكثر توفيقاً ونجاحاً في الحياة.
تتلاشى الفضائل في الأنانية مثلما تتلاشى الأنهار في البحار.
الأنانية هي أصل ومنبع كل الشرور الطبيعية والأدبية.
كلما ساخت أنانية الإنسان في الحضيض، كلما ارتفعت نفسه وعظم قدره.
الأنانية والسعادة لا تجتمعان.
عندما يتساوى الكل في الأنانية، لا يختلف العاقل عن الأحمق، بل قد يكون أشد خطراً منه.
ويزيدنا المتنبي من الشعر بيتاً بقوله:
أرى كلنا يبغي الحياةَ لنفسهِ
حريصاً عليها مستهاماً بها صبّا
فحبُّ الجبانِ النفسَ أوردَهُ البقا
وحبُّ الشجاعِ الحرصَ أوردهُ الحَربا
الكثير منا يصر على دفع التكاليف قبل حتى معرفة الثمن و خاصة فيما يتعلق بالأمور
المادية المعتادة في حياتنا !! لماذا لا أعلم لعل طبيعة الإنسان تحتاج المزيد من التهجين و
التهذيب عن ما هي عليه!!! أعجبت بقصة وصلتني من أحد الزملاء و التي تتحدث
عن سائق الباص و المعلم " الشاب الضخم " فهذه القصة تروي السيرة الذاتية لطبيعة الإنسانية .
حيث كالمعتاد يذهب سائق الباص في طريقه من محطة إلى أخرى، وبينما هو
في طريقه توقف بإحدى المحطات، صعد أحد الركاب وهو شاب عملاق كأنه بطل كمال أجسام،
وعلى وجهه علامات الشر قد تركت على وجهه أثار المشاكل.. فسأله السائق عن التذاكر.
. فأجابه والشر يتطاير من عينيه: أنا مابدفعش تذاكر !!
تركه السائق على استحياء وتابع طريقه، وفي اليوم التالي ركب نفس العملاق
ونظر إليه السائق برعب وسأله نفس السؤال بنبرة مرتعدة.. فأجابه العملاق بغلظة:
المعلم مابيدفعش تذاكر تكرر هذا المشهد مرات ومرات.. نفس السؤال ونفس الإجابة..
دون أن يتجرأ السائق أو حتى يفكر في مناقشة العملاق
فارق النوم عين السائق وأصابته الكآبة والخجل من نفسه ومن الركاب اللذين ينظرون أليه
على أنه جبان.. وبدأ يتغيب عن العمل في محاولة منه للهروب من المشكلة.. ولكنه قرر أن
يواجه نفسه ويتحداها، فذهب بجسمه النحيل وقامته القصيرة إلى إحدى مراكز التدريب وسجل
نفسه في دورات تدريب كمال أجسام، كونغ فو، جودو وكارتيه
ومضت أشهر وهو يكافح ويناضل من أجل تحرير نفسه من الخوف حتى أتقن كل فنون الدفاع
عن النفس ونال منها أشكال من الميداليات وألوان من الأحزمة
وحانت لحظة المواجهة مع المشكلة التي خاض كل ذلك من أجلها فعاد إلى عمله المعتاد واتجه إلى
نفس المحطة، وهو يبحث عن هذا العملاق.. وما أن صعدت الفريسة الباص حتى نهض السائق
فأمسك السائق بقميص العملاق من رقبته وسط ذهول الركاب وصاح بصوت عال وعينان تشتعل منهما
النار: المعلم مابيدفعش تذاكر ليه يعني؟ فأجابه العملاق بصوت هادئ : المعلم معاه اشتراك، نعم المعلم
" الشاب الضخم " يوجد معه بطاقة دفع مسبق و هو ليس بحاجة لأن يدفع نقداً لسائق.
و هنا كانت مشكلة السائق باستعجال وجود المشكلة قبل التأكد من وجودها
أصلا و بهذا بدء بالبحث عن الحل المناسب لمشكلته الغير موجودة في الأصل!!
و هذا كلفه أيام و شهور من التدريب و التعب و التفكير و دفع المال، فلماذا
لا نجنب أنفسنا كل ذلك من خلال التأكد أذا ما كانت المشكلة موجودة لكي نبحث لها عن حل.
حكمـــة
" من فنون الإدارة، التأكد من وجود مشكلة قبل بذل أي مجهود لحلها "