"هيَّا يا أكرم، اِنهض فقد تأخرتما أنت ومهند عن المدرسة"،
كان هذا صوت أم أكرم، في صباح أول يوم من أيام الأسبوع.
لم ينهض أكرم بسرعة، بل حاول أن يستدعي النوم مرة أخرى ولكن ... لا جدوى،
نهض من فراشه القديم الدافيء وبكل تثاقل وبطء، وذهب يغسل وجهه وكفَّيه بماءٍ كان ببرودة الثلج،
ونادى أمَّه ... "أمي، أنا لستُ ذاهباً إلى المدرسة اليوم"
الأم " لماذا؟"
أكرم " لقد كان حلماً غريباً يا أمي، لقد رأيت أنني وإياكِ وأخي مهنداً وكأننا في غرفة الجلوس، وكنَّا نتكلم ونضحك، فدخل علينا أبي رحمه الله، وهو بلباس المجاهدين، وقال متبسما:ً أما زلتم تضحكون، أما آن الأوان لأن يلحق بي أحدُكم؟؟ إنِّي أحِس بالوحدة"
نظر كلٌ من أكرم وأمه إلى بعضهما بخوف واستغراب،
ثم قال: أمي لقد سئمت من كُرسي الدراسة ولقد اكتفيت من التعليم،
أمي ... أريد أن ألتَحِق بالمجاهدين المقاومين والمناضلين للدفاع عن فلسطين، أريد أن أحذو حذوهم وحذو أبي من قبلهم، ... لقد اشتقت إليه كثيراً وأريد أن أراه!!
قاطعته أمه قائلة: كان أبوك بطلاً ... وكان يتمنى أن ابنه يُكمل تعليمه، ثم أن الجهاد يا ولدي له وجوه كثيرة، ومن الأفضل أن تحقق أمنية والدك وأن تُرضِي رغبتي بأن أراك مهندساً تعيد بناء ما تهدم من بيوتنا، أو طبيباً يعالج جرحانا، ... إنه وجه من وجوه الجهاد يا صغيري.
قاطعهم مهند: هيا يا أكرم لقد تأخرنا، ويمكِنكُما أن تُكمِلا حديثكُما عند عودتنا من المدرسة!!
أعطت الأم كلاً منهما إفطاره مع حقيبة الكتب، وقبلتهما تقبيل وداع حار، ... ولمع في عينيها الصبورتين بريق دمعة المُفارق!!
وخرجا والتقيا بابن جارِهما سامي، الذي كان يرافقهما دوما إلى المدرسة، وبدأ أكرم يقص عليه ما رآه في منامه!!
إنتهى اليوم الدراسي وأكرم ما زال يفكر في حلمه الغريب، وعاد مع أخيه مهند وصديقهما سامي إلى منزلهم، ... ولكنهم لم يجدوا إلا ركامه!!
ولم يروا إلا تجمع الناس حوله، ... فأسرعوا إلى منزلهم وهم يصرخون "أمي ... أمي"
فوجدوها ممدة على الأرض ... وحولها بعض نساء الجيران يبكون،
فاحتضنهُما جارُهما أبو سامي،
وقال: لقد قصف جنود الاحتلال منزلكما لاشتباهِهم به!!
ركضَ مهند إلى جسم أمه المطروح على الأرض وهو يبكي، واحتضن يدها المليئة بالدَّم،
أما أكرم ... فكان ينظر إلى أمه، ... إلى ركام بيته، ... إلى بكاء أخيه، وصرخات الناس حوله، ...
ويتذكر حلمه تلك الليلة،