قال رسول الله: ( إن المفلس من أمتي يأتي يوم القيامة بصلاة وصيام وزكاة، ويأتي قد شتم هذا، وقذف هذا، وأكل مال هذا، وسفك دم هذا، وضرب هذا، فيعطى هذا من حسناته، وهذا من حسناته، فإن فنيت حسناته قبل أن يقضى ما عليه أخذ من خطاياهم فطرحت عليه، ثم طرح في النار! ) صحيح مسلم (2581)
فكم بهذه الألسنة عُبد غير الله تعالى وأشرك وكم بهذه الألسنة حُكم بغير حكمه سبحانه وتعالى كم بهذه الألسنة أُحدثت بدع.. وأُدميت أفئدة.. وقُرحت أكباد كم بهذه الألسنة أرحام تقطعت.. وأوصال تحطمت.. وقلوب تفرقت كم بهذه الألسنة نزفت دماء.. وقُتل أبرياء.. وعُذب مظلومون كم بها طُلّقت أمهات.. وقذفت محصنات كم بها من أموال أُكلت.. وأعراض أُنتهكت.. ونفوس زهقت
يموت الفتى مـن عثـرة بلسانـه *** وليس يموت المرء من عثرة الرجل
إن أول ما يلفت الأنظار في كتاب الله -وهو دستور المسلمين، وأهم مصادر التشريع- أن كل السور فيه -باستثناء سورة التوبة- قد صُدِّرت بالبسملة، وأُلحِق بالبسملة صفتا الرحمن الرحيم. وليس يخفى على أحد أن تصدير كل السور بهاتين الصفتين أمر له دلالته الواضحة على أهمية الرحمة في التشريع الإسلامي، ولا يخفى على أحدٍ أيضًا التقارب في المعنى بين الرحمن والرحيم، والعلماء لهم تفصيلات كثيرة وآراء متعددة في الفرق بين اللفظين[1]، وكان من الممكن أن يجمع الله مع صفة الرحمة صفة أخرى من صفاته، كالعظيم أو الحكيم أو السميع أو البصير، وكان من الممكن أن يجمع مع الرحمة صفة أخرى تحمل معنى آخر يُحَقِّق توازنًا عند القارئ؛ بحيث لا تطغى عنده صفة الرحمة؛ وذلك مثل: الجبار أو المنتقم أو القهار، ولكن الجمع بين هاتين الصفتين المتقاربتين في بداية كل سور القرآن الكريم يعطي الانطباع الواضح جدًّا، وهو أن الرحمة مُقدَّمَة بلا منازع على كل الصفات الأخرى، وأن التعامل بالرحمة هو الأصل الذي لا ينهار أبدًا، ولا يتداعى أمام غيره من الأصول.
ويُؤَكِّد هذا المعنى ويُظهره أنَّ أول السور التي نراها في ترتيب القرآن الكريم[2]، وهي الفاتحة، قد افتُتِحت بالبسملة -وفيها صفتا الرحمن الرحيم- كبقية السور، ثم نجد فيها صفتي الرحمن الرحيم قد تكرَّرَتا في السورة ذاتها، وهذا التصدير للقرآن الكريم بهذه السورة بالذات له دلالته الواضحة أيضًا، وكما هو معلوم فسورة الفاتحة هي السورة التي يجب على المسلم أن يقرأها في كل ركعة من ركعات صلاته كل يوم، ومعنى ذلك أن المسلم يُرَدِّدُ لفظ الرحمن مرتين على الأقل، ويُرَدِّدُ لفظ الرحيم مرتين على الأقل، فهذه أربع مرات يتذكَّر فيها العبد رحمة الله في كل ركعة من ركعات الصلاة، وهذا يعني ترديد صفة الرحمة في كل يوم ثمانٍ وستين مرة في خلال سبع عشرة ركعة تُمَثِّل الفروض التي على المسلم؛ مما يُعْطِي تصوُّرًا جيدًا لمدى الاحتفال بهذه الصفة الجليلة: صفة الرحمة.
وإن هذا يُفَسِّر لنا الكثير من الأحاديث التي ذكرها الرسول ، والتي تصف رحمة ربِّ العالمين، ومنها ما يرويه أبو هريرة t أن رسول الله قال: "إِنَّ اللهَ كَتَبَ كِتَابًا قَبْلَ أَنْ يَخْلُقَ الْـخَلْقَ إِنَّ رَحْمَتِي سَبَقَتْ غَضَبِي، فَهُوَ مَكْتُوبٌ عِنْدَهُ فَوْقَ الْعَرْشِ"[3].
هكذا هي الحياة .. كتاب مفتوح لا نرى بين دفتيه سوى حروف من الماضي تقلّب صفحاته أيدي الحاضر .. لترى .. ماذا يخبئ لها المستقبل .. ؟؟! أسفل كل صفحة يوجد هامش كتبت فيه مصادر آلامنا وأوجاعنا لأننا لا نريدها .. فنضعها على هامش الصفحة .. عندما تقلب صفحات الكتاب .. وتصل إلى نهايته .. سترى هذه العبارة : في النهاية لا توجد نهاية , بل بدايات جديدة